الشيخ الطبرسي
63
تفسير مجمع البيان
وكان حقه أن يقول كما قال عبد يغوث : كأني لم أركب جوادا ، ولم أقل * لخيلي : كري نفسي عن رجاليا ولم أسبأ الزق الروي ، ولم أقل * لأيسار صدق : أظهروا ضوء ناريا وقد يؤول قول امرئ القيس على الجواب الأول . ( فوسوس إليه الشيطان ) قد تقدم بيانه ( قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ) أي : على شجرة من أكل منها لم يمت ( وملك لا يبلى ) جديده ولا يفنى . وهذا كقوله ( ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة ) الآية . ( فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) هذا مفسر في سورة الأعراف ( وعصى آدم ربه فغوى ) معناه . خالف آدم ما أمره ربه به ، فخاب من ثوابه . والمعصية : مخالفة الأمر سواء كان الأمر واجبا أو ندبا . قال الشاعر : " أمرتك أمرا جازما فعصيتني " . ولا يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا ، كما يسمى بذلك تارك الواجب . يقولون : فلان أمرته بكذا وكذا من الخير فعصاني وخالفني ، وإن لم يكن ذلك واجبا . ولا شبهة أن لفظة ( غوى ) يحتمل الخيبة . قال الشاعر : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ، * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما ( 1 ) ويجوز أن يكون معناه : فخاب مما كان يطمع فيه بأكل الشجرة من الخلود . ( ثم اجتباه ربه ) أي : اصطفاه الله تعالى ، واختاره للرسالة ( فتاب عليه وهدى ) أي : قبل توبته وهداه إلى ذكره . وقيل : هداه للكلمات التي تلقاها منه ( قال اهبطا منها جميعا ) يعني آدم وحواء ( بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى ) قد فسرنا جميعها في سورة البقرة ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) أي : فلا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة . قال ابن عباس : ضمن الله سبحانه لمن قرأ القرآن ، وعمل بما فيه ، أن لا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة . ثم قرأ هذه الآية . ( ومن أعرض عن ذكري ) أي : ومن أعرض عن القرآن ، وعن الدلائل التي أنزلها الله تعالى لعباده ، وصدف عنها ، ولم ينظر فيها ( فإن له معيشة ضنكا ) أي . عيشا ضيقا ، عن مجاهد وقتادة والجبائي . وهو أن يقتر الله عليه الرزق ، عقوبة له
--> ( 1 ) قائله : قعنب المزاري . ونسبه بعض إلى المرقش . بريد : إن من ظفر بمطلوبه ، حمده الناس . ومن لم يظفر ، عابوه مع أنه لم يكن مقصرا .